محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
470
بدائع السلك في طبائع الملك
من عرضك . وإذا دخلت مجلسا ، فالأدب فيه البداية بالتسليم ، وترك التخطي لمن سبق ، والجلوس حيث اتسع . وحيث تكون أقرب إلى التواضع ، وأن تحيى بالسلام من قرب منك عند الجلوس . ولا تجلس عند الطريق . فان جلست ، فأدبه غض الطرف « 659 » ونصر المظلوم وإغاثة الملهوف وعون الضعيف وارشاد الضال ورد السلام واعطاء السائل ، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر . والارتياد لموضع البصاق ، فلا تبصقن « 660 » في جهة القبلة ، ولا عن يمينك ، ولكن عن يسارك ، أو تحت قدمك اليسرى . ولا تجالس الملوك ، فان فعلت ، فأدبه ، ترك الغيبة ومجانبة الكذب ، وصيانة السر ، وقلة الحوائج ، وتهذيب الالفاظ والاعراب في الخطاب ، والمذاكرة بأخلاق الملوك ، وقلة المداعبة ، وكثرة الحذر منهم ، وان ظهرت المودة . ولا تتجشأ بمحضره ، ولا تتخلل بعد الاكل عنده . وعلى الملك ان يحتمل كل شيء الا افشاء السر والقدح في الملك والتعرض للحرم . ولا تجالس العامة فان فعلت فأدبه : ترك الخوض في حديثهم ، وترك الاصغاء إلى أراجيفهم ، والتغافل عما يجري من سوء ألفاظهم ، وقلة اللقاء لهم مع الحاجة إليهم . وإياك ان تمازح لبيبا أو غير لبيب ، فان اللبيب يحقد عليك ، والسفيه يتجرأ عليك ، لان المزح يخرق الهيبة ، ويسقط ماء الوجه ، ويذهب بحلاوة الود ، ويشين فقه الفقيه ، ويجرئ السفيه ، ويسقط المنزلة عند الحكم ، وتمقته النفوس ، ويميت القلب ، ويباعد عن الرب تعالى ، ويكسب الغفلة ويورث الذلة . وبه تظلم السرائر ، وتموت الخواطر . وبه تكثر العيوب ، وتبين الذنوب . وقد قيل : لا يكون المزاح الا من سخف أو بطر . ومن بلى في مجلس بمزاح أو لغط فليذكر الله تعالى عند قيامه . ثم ذكر حديث كفارة المجلس « 661 » .
--> ( 659 ) س والاحياء : البصر . ( 660 ) احياء : تبصق . ( 661 ) احياء ح 2 ص 192 ، 193 .